metota
2009/3/18, 4:21 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بدأ يومه كعادته ، صلَّى الفجر وأخذ يقرأ ورده اليومي من القرآن الكريم ، حتى بدأت الشمس بالشروق وما أن أشرقت الشمس حتى غدا مسرعاً إلى ذلك التل الأخضر " تل الزهور" ليلتقي بمحبوبته "ندى" ، محبوبته ومراده وحلم طفولته ، ومع اطلالة الشَّمس الذهبيَّة تطلُّ "ندى" بلباسها الأبيض كملاكٍ تحيط به هالة من النور تمر بين الأشجار لتنثر السعادة بجانب كل شيء يتنفس رائحتها العذبة فتجد الأزهار تتلون وتجد الأغصان تتمايل رقصاً ، وقد اشتمت رائحة ملاك الرحمة .. "ندى" ، كانت "ندى" تعمل ممرضة في أحد المستشفيات ، وكانت تعشق "باسم" عِشقاً جنونياً منذ الطفولة ، وهي التي فتحت عيناها على هذه الدنيا لتجد "باسم" الطالب في كلية الطب أمامها حيث كان "باسم" ابن الجيران الحلم المنتظر "لندى" ، ومنذ أن كانا طفلين كانت علامات العشق تدور حولهما ، وقد فاض هذا العشق إلى أهل "ندى" وأهل "باسم" ليسارعوا إلى ترجمة هذا العشق بوثاقٍ أبدي وتم "لندى" و"باسم" ما أرادا فاحتفل أهل البلدة بخطبة العاشقين وانتشر الخبر في كل أرجاء الحي ليبارك تلك الخطبة وينشر الفرح على سكان تلك البلدة الحزينة .
وما أن يلتقيان على ذلك التل حتى يبدآن بسرد أحلامهما ويرسمان طريق الحياة التي يريدان ، فها هي "ندى" تخطط لمولودهما الأول وماذا سيكون عندما سيكبر وكيف هي الخطوات الصحيحة في التربية ليخرج "رامي" وهو الاسم الذي اختارته "ندى" لمولودها الاول مجاهداً ناصراً لدينه ، لطالما حَلُما أن يكون لهما ولداً مجاهداً ثم يموت شهيداً ، كانت أحلامَهُما البريئة تشع بنور الجهاد وتتشبع بالروايات البطولية التي قادها أجدادهما من قبل ، وقوعهما تحت الاحتلال وحياتهم التي تبدأ على أزيز الرصاص وهدير القنابل زرعت حب الجهاد في قلب "باسم" و"ندى" .
وهذا الواقع ربَّى في "باسم" الرجولة منذ نعومة أظفاره فنجده لا يعرف اللَّهو ولا يضيع وقته في اللَّعِب كل حياته كانت جهاداً في جهاد ففي طفولته وهو على مقاعد الدراسة كان يساعد في نقل الغذاء للمجاهدين ، وبحكم صِغَر سنِّه لم يكن الأعداء يلقون له بالاً ، وهو الذي كان ينقل أيضا مع الغذاء نوعا اخر من الطعام فقد كان ينقل الرصاص والقنابل للمجاهدين في حقيبته المدرسيَّة .
علامات النبوغ والذكاء كانت تشع من وجهه الطفولي و أحلامه الأكبر من سِنِّه تذهل كل من يتحدث معه ، تجده قد خطط لحياته منذ الصغر ورغم الظروف الصعبة التي يعيشها "باسم" تحت وطأة الإحتلال إلا أنه يحقق أحلامه ويمشي بخطاً ثابتة نحو أهدافه .
أوصل "باسم" خطيبته "ندى" إلى المستشفى الذي تعمل به وودَّعها بنَظَراتٍ حالمة منتظراً بلهفة انتهاء عملها وانقضاء دوامه الجامعي ليلتقيها من جديد ويكملا ترتيب أحلامهما ، ومِن ثمَّ انطلق إلى جامعته ليبدأ يومه الدراسي ، عامٌ واحد يفصله عن شهادة الطب التي طالما حَلُمَ بها ، وبدعوات والديه و بالعزيمة والاصرار يتسلَّح "باسم" لنيل أهدافه وتحقيق ما يصبو إليه .
أما "ندى" والتي تخرَّجت من معهدٍ للتمريض فقد بدأت يومها بالعناية بالمصابين وتضميد جراح المجاهدين ، هكذا هي حياتها تخفيف الآلام وتضميد الجراح ، وما أكثرها جراحُ ذلك الشَّعب ، رغم قلة الأدوية ورغم ضعف الامكانات تحاول "ندى" بكل ما آتها الله من عزيمة ومن قوة زرع الأمل في نفوس المرضى والمصابين بوجهها الملائكي وابتسامتها الساحرة تنزع الألم نزعاً من جسد كل مريض .
في ظهيرة ذلك اليوم قام جنود الاحتلال باجتياح للبلدة الحزينة وقتلوا بطائراتهم ودباباتهم الكثير من المدنيين ، وسارع الطاقم الطبي في المستشفى الذي تعمل به "ندى" بالذهاب إلى موقع الحدث لعلاج ما يمكن علاجه وانتشال المصابين والقتلى من براثن الدبابات ، وأصرَّت "نَدى" على الخروج معهم رُغم معارضة الكثيرين لصِغَرِ سنِّها إلا أنهَّا أبت إلا أن تكون أحد جنود المقاومة بلمستها الحانية لتضميد الاصابات ، وبعد إلحاح وإصرار خرجت "ندى" مع المسعفين ، ووصلت إلى موقع الحدث وبدأت تجمع المصابين مع زملائها الممرِّضين والأطباء ومع أبناء شعبها ليتكاتفوا جميعاً وينقلوا المصابين والقتلى إلى سيارات الإسعاف التي كانت "ندى" أحد جنودها .
وفي غفلة من الطاقم المُسعف ورُغم أنَّ الأعراف الدولية تُحرِّم اطلاق النَّار على المسعفين وعلى سيارات الاسعاف إلا أن ذلك الجندي المحتل يُصر على كسر الأعراف ويصر على طمس كل ما هو جميل في حياة ذلك الشعب المناضل ، من بعيد يترصد ل"ندى" بكل حركة تقوم بها ، أثار جنونه نشاطها ، أتعبه قوَّتها وجَلَدها وتحمُّلِها للمخاطر ، أثار حنقه صِغَر سنها ووطنيتها وفدائها لشعبها ، فأبى إلا أن يقتل الفرحة في قلب "باسم" ؛ أبى إلا أن يذبح "رامي" الحلم الواعد قبل تكونه ؛ أبى إلا أن يزيد الهم ويعمق الجراح على أهل تلك البلدة ؛ أمسك وصوَّب ببندقيته من بعيد على رأس الممرضة المتفانية ، ليطلق منها وابلاً من الرصاص على رأس وجسد "ندى" ، ويتوارى كما هي عادة الجبناء خلف دبابته .
سَقَطَت "ندى" كحبات اللؤلؤ ، وسقط معها كلُّ حُلُمٍ جميل رُسِم في مخيلة العاشق "باسم" ، سقطت "ندى" وسقط تل الزُّهور بعدها ، وانقلب ردائها الأبيض إلى رداءٍ أحمر ، روت بدمائها أرض بلدتها ، فارقت "ندى" الحياة على الفَور وانتقلت إلى ربها وابتسامة ساحرة تعلو وجهها الملائكي ، ورائحة المسك تنبعث في أرجاء المكان .
وصل الخبر إلى "باسم" ، فأُلقِي كالصاعقة على قلبه الواعد ، كان نبأ استشهاد محبوبته أكبر من أن يتحمله فؤاده ، أصيب "باسم" بحالة هستيرية ، وأخذته غيبوبة لم يفق بعدها إلا وهو في المستشفى وبجاوره أهله وأهل خطيبته "ندى" ، استيقظ "باسم" وقد لف الحزْن وجهه الطفولي تساقطت قطرات من الدمع على وجنتيه واحتضن أمه وأخذ يبكي بكاء الأطفال ، أمسك عمُّه والد ندى بيده وأخذه إلى محبوبته ليلقيَ عليها النظرة الأخيرة قبل دَفنها ، كُشف الغطاء عن وجه ندى وملأ النُّور المكان وانبعثت رائحة المسك من جسدها الطاهر ، ما أن رآها باسم حتى احتضنها وأخذ يقبل وجهها وأجهش بالبكاء ؛ بكاءً مُرّاً أبكى معه كل من كان في المستشفى ، وأخذ يعاتبها : كيف تركتني الآن ، لماذا يا ندى ، لم يكن هذا ما خطَّطْنا له ، حبيبتي ، آه يا نور عيني ، كيف أحيا الآن ، ولمن أحيا ..
أخذ ينظر إلى وجهها ويخاطبها ويلومها على استشهادها قبل أن يحققا أحلامهما ، وكأنَّ "ندى" سمعت صرخاته وأحزانه كيف لا ، وهي لا زالت تعيش بروحها في المكان كيف لا وهي تعانق حبيبها بروحها الطاهرة وأخذت "ندى" تجيب "باسم" أنَّ موعدنا هناك في جنَّات الخلد عند رب لا يظلم ، أجابت "ندى" أنها لا زالت حية ترزق عند مليك مقتدر ، لا تخف يا حبيبي ، أنا بانتظارك ، لا تخف ، أنا هناك على تل الزهور أنتظرك ، لا تبكي فبكائك يزيد عذابي ، لا أريد دموعاً بعد اليوم .
دُفنت "ندى" ووري جسدها الطاهر في التراب ، وغادر الجميع المقبرة ومن ضمنهم صاحب القلب المكسور صاحب الوجه الطفولي "باسم" ، بعد استشهاد خطيبته انقلبت حياة " باسم " رأساً على عقب ترك مقاعد الدراسة وانتقل إلى صفوف المجاهدين ، حمل بندقيته على كتفه وأصبح يترصَّد جنود المحتلين في كل مكان ، اشتُهر بعدها " باسم " بإسم "باسم القنَّاص" لما يتمتَّع به من حدة في النظر وإصابة مباشرة للهدف ، قتل الكثيرين من جنود الاحتلال حيث يروي أهل البلدة أنه قتل قرابة المئتين منهم ، يقتنصهم اقتناصاً ، أصبح المطلوب الأول على قائمة الاحتلال ، زرع الرعب في قلوب الجنود ، صار اسمه إذا ذكر يزلزل أقدام أعتى الجنود ، فهم يعرفون أن رصاصة من "باسم" كافية للاطاحة بهم .
عاش "باسم" بقية حياته متنقلا بين الثغور ، لا يُعرف له مكان ولا إقامة ، يمر مرَّ السَّحاب في كل مدينة فيقتل في كل يوم ما شاء الله من جنود الإحتلال ، إلى أن تمَّت الإطاحة به من أحد الخونة الذين باعوا أنفسهم لجنود الإحتلال حيث أرشدهم إلى المسجد الذي سوف يصلي به "باسم" صلاة الفجر ، وبالفعل تربَّص له الجنود وبمجرد خروجه من المسجد حدث تبادل لإطلاق النَّار على المصلين وأخذ "باسم" يدافع عن المصلين وعن نفسه بكل ما آتاه الله من قوة ، قتل من الجنود ما قتل إلى أن أتته رصاصة في قلبه ليسقط المجاهد البطل شهيداً أمام باحة المسجد وقتَ طلوع الشَّمس .
وقت طلوع الشَّمس من ذلك اليوم انطلقت روح الشَّهيد لتلاقي روح "ندى" في السماء ، هذا الوقت الذي كان موعد لقاء الأحبة في الدنيا ، هو نفسه موعد التقائهم في الآخرة ، رحمك الله يا "باسم" رحمك الله يا شهيد الوطن وجَعلَ مثواك الجنَّة ، رَحِمَكِ الله يا "ندى" يا ملاكاً يُرَفرِفُ على جراح المصابين ، رحِمك الله يا شهيدة البلدة الحزينة ..
منقول
بدأ يومه كعادته ، صلَّى الفجر وأخذ يقرأ ورده اليومي من القرآن الكريم ، حتى بدأت الشمس بالشروق وما أن أشرقت الشمس حتى غدا مسرعاً إلى ذلك التل الأخضر " تل الزهور" ليلتقي بمحبوبته "ندى" ، محبوبته ومراده وحلم طفولته ، ومع اطلالة الشَّمس الذهبيَّة تطلُّ "ندى" بلباسها الأبيض كملاكٍ تحيط به هالة من النور تمر بين الأشجار لتنثر السعادة بجانب كل شيء يتنفس رائحتها العذبة فتجد الأزهار تتلون وتجد الأغصان تتمايل رقصاً ، وقد اشتمت رائحة ملاك الرحمة .. "ندى" ، كانت "ندى" تعمل ممرضة في أحد المستشفيات ، وكانت تعشق "باسم" عِشقاً جنونياً منذ الطفولة ، وهي التي فتحت عيناها على هذه الدنيا لتجد "باسم" الطالب في كلية الطب أمامها حيث كان "باسم" ابن الجيران الحلم المنتظر "لندى" ، ومنذ أن كانا طفلين كانت علامات العشق تدور حولهما ، وقد فاض هذا العشق إلى أهل "ندى" وأهل "باسم" ليسارعوا إلى ترجمة هذا العشق بوثاقٍ أبدي وتم "لندى" و"باسم" ما أرادا فاحتفل أهل البلدة بخطبة العاشقين وانتشر الخبر في كل أرجاء الحي ليبارك تلك الخطبة وينشر الفرح على سكان تلك البلدة الحزينة .
وما أن يلتقيان على ذلك التل حتى يبدآن بسرد أحلامهما ويرسمان طريق الحياة التي يريدان ، فها هي "ندى" تخطط لمولودهما الأول وماذا سيكون عندما سيكبر وكيف هي الخطوات الصحيحة في التربية ليخرج "رامي" وهو الاسم الذي اختارته "ندى" لمولودها الاول مجاهداً ناصراً لدينه ، لطالما حَلُما أن يكون لهما ولداً مجاهداً ثم يموت شهيداً ، كانت أحلامَهُما البريئة تشع بنور الجهاد وتتشبع بالروايات البطولية التي قادها أجدادهما من قبل ، وقوعهما تحت الاحتلال وحياتهم التي تبدأ على أزيز الرصاص وهدير القنابل زرعت حب الجهاد في قلب "باسم" و"ندى" .
وهذا الواقع ربَّى في "باسم" الرجولة منذ نعومة أظفاره فنجده لا يعرف اللَّهو ولا يضيع وقته في اللَّعِب كل حياته كانت جهاداً في جهاد ففي طفولته وهو على مقاعد الدراسة كان يساعد في نقل الغذاء للمجاهدين ، وبحكم صِغَر سنِّه لم يكن الأعداء يلقون له بالاً ، وهو الذي كان ينقل أيضا مع الغذاء نوعا اخر من الطعام فقد كان ينقل الرصاص والقنابل للمجاهدين في حقيبته المدرسيَّة .
علامات النبوغ والذكاء كانت تشع من وجهه الطفولي و أحلامه الأكبر من سِنِّه تذهل كل من يتحدث معه ، تجده قد خطط لحياته منذ الصغر ورغم الظروف الصعبة التي يعيشها "باسم" تحت وطأة الإحتلال إلا أنه يحقق أحلامه ويمشي بخطاً ثابتة نحو أهدافه .
أوصل "باسم" خطيبته "ندى" إلى المستشفى الذي تعمل به وودَّعها بنَظَراتٍ حالمة منتظراً بلهفة انتهاء عملها وانقضاء دوامه الجامعي ليلتقيها من جديد ويكملا ترتيب أحلامهما ، ومِن ثمَّ انطلق إلى جامعته ليبدأ يومه الدراسي ، عامٌ واحد يفصله عن شهادة الطب التي طالما حَلُمَ بها ، وبدعوات والديه و بالعزيمة والاصرار يتسلَّح "باسم" لنيل أهدافه وتحقيق ما يصبو إليه .
أما "ندى" والتي تخرَّجت من معهدٍ للتمريض فقد بدأت يومها بالعناية بالمصابين وتضميد جراح المجاهدين ، هكذا هي حياتها تخفيف الآلام وتضميد الجراح ، وما أكثرها جراحُ ذلك الشَّعب ، رغم قلة الأدوية ورغم ضعف الامكانات تحاول "ندى" بكل ما آتها الله من عزيمة ومن قوة زرع الأمل في نفوس المرضى والمصابين بوجهها الملائكي وابتسامتها الساحرة تنزع الألم نزعاً من جسد كل مريض .
في ظهيرة ذلك اليوم قام جنود الاحتلال باجتياح للبلدة الحزينة وقتلوا بطائراتهم ودباباتهم الكثير من المدنيين ، وسارع الطاقم الطبي في المستشفى الذي تعمل به "ندى" بالذهاب إلى موقع الحدث لعلاج ما يمكن علاجه وانتشال المصابين والقتلى من براثن الدبابات ، وأصرَّت "نَدى" على الخروج معهم رُغم معارضة الكثيرين لصِغَرِ سنِّها إلا أنهَّا أبت إلا أن تكون أحد جنود المقاومة بلمستها الحانية لتضميد الاصابات ، وبعد إلحاح وإصرار خرجت "ندى" مع المسعفين ، ووصلت إلى موقع الحدث وبدأت تجمع المصابين مع زملائها الممرِّضين والأطباء ومع أبناء شعبها ليتكاتفوا جميعاً وينقلوا المصابين والقتلى إلى سيارات الإسعاف التي كانت "ندى" أحد جنودها .
وفي غفلة من الطاقم المُسعف ورُغم أنَّ الأعراف الدولية تُحرِّم اطلاق النَّار على المسعفين وعلى سيارات الاسعاف إلا أن ذلك الجندي المحتل يُصر على كسر الأعراف ويصر على طمس كل ما هو جميل في حياة ذلك الشعب المناضل ، من بعيد يترصد ل"ندى" بكل حركة تقوم بها ، أثار جنونه نشاطها ، أتعبه قوَّتها وجَلَدها وتحمُّلِها للمخاطر ، أثار حنقه صِغَر سنها ووطنيتها وفدائها لشعبها ، فأبى إلا أن يقتل الفرحة في قلب "باسم" ؛ أبى إلا أن يذبح "رامي" الحلم الواعد قبل تكونه ؛ أبى إلا أن يزيد الهم ويعمق الجراح على أهل تلك البلدة ؛ أمسك وصوَّب ببندقيته من بعيد على رأس الممرضة المتفانية ، ليطلق منها وابلاً من الرصاص على رأس وجسد "ندى" ، ويتوارى كما هي عادة الجبناء خلف دبابته .
سَقَطَت "ندى" كحبات اللؤلؤ ، وسقط معها كلُّ حُلُمٍ جميل رُسِم في مخيلة العاشق "باسم" ، سقطت "ندى" وسقط تل الزُّهور بعدها ، وانقلب ردائها الأبيض إلى رداءٍ أحمر ، روت بدمائها أرض بلدتها ، فارقت "ندى" الحياة على الفَور وانتقلت إلى ربها وابتسامة ساحرة تعلو وجهها الملائكي ، ورائحة المسك تنبعث في أرجاء المكان .
وصل الخبر إلى "باسم" ، فأُلقِي كالصاعقة على قلبه الواعد ، كان نبأ استشهاد محبوبته أكبر من أن يتحمله فؤاده ، أصيب "باسم" بحالة هستيرية ، وأخذته غيبوبة لم يفق بعدها إلا وهو في المستشفى وبجاوره أهله وأهل خطيبته "ندى" ، استيقظ "باسم" وقد لف الحزْن وجهه الطفولي تساقطت قطرات من الدمع على وجنتيه واحتضن أمه وأخذ يبكي بكاء الأطفال ، أمسك عمُّه والد ندى بيده وأخذه إلى محبوبته ليلقيَ عليها النظرة الأخيرة قبل دَفنها ، كُشف الغطاء عن وجه ندى وملأ النُّور المكان وانبعثت رائحة المسك من جسدها الطاهر ، ما أن رآها باسم حتى احتضنها وأخذ يقبل وجهها وأجهش بالبكاء ؛ بكاءً مُرّاً أبكى معه كل من كان في المستشفى ، وأخذ يعاتبها : كيف تركتني الآن ، لماذا يا ندى ، لم يكن هذا ما خطَّطْنا له ، حبيبتي ، آه يا نور عيني ، كيف أحيا الآن ، ولمن أحيا ..
أخذ ينظر إلى وجهها ويخاطبها ويلومها على استشهادها قبل أن يحققا أحلامهما ، وكأنَّ "ندى" سمعت صرخاته وأحزانه كيف لا ، وهي لا زالت تعيش بروحها في المكان كيف لا وهي تعانق حبيبها بروحها الطاهرة وأخذت "ندى" تجيب "باسم" أنَّ موعدنا هناك في جنَّات الخلد عند رب لا يظلم ، أجابت "ندى" أنها لا زالت حية ترزق عند مليك مقتدر ، لا تخف يا حبيبي ، أنا بانتظارك ، لا تخف ، أنا هناك على تل الزهور أنتظرك ، لا تبكي فبكائك يزيد عذابي ، لا أريد دموعاً بعد اليوم .
دُفنت "ندى" ووري جسدها الطاهر في التراب ، وغادر الجميع المقبرة ومن ضمنهم صاحب القلب المكسور صاحب الوجه الطفولي "باسم" ، بعد استشهاد خطيبته انقلبت حياة " باسم " رأساً على عقب ترك مقاعد الدراسة وانتقل إلى صفوف المجاهدين ، حمل بندقيته على كتفه وأصبح يترصَّد جنود المحتلين في كل مكان ، اشتُهر بعدها " باسم " بإسم "باسم القنَّاص" لما يتمتَّع به من حدة في النظر وإصابة مباشرة للهدف ، قتل الكثيرين من جنود الاحتلال حيث يروي أهل البلدة أنه قتل قرابة المئتين منهم ، يقتنصهم اقتناصاً ، أصبح المطلوب الأول على قائمة الاحتلال ، زرع الرعب في قلوب الجنود ، صار اسمه إذا ذكر يزلزل أقدام أعتى الجنود ، فهم يعرفون أن رصاصة من "باسم" كافية للاطاحة بهم .
عاش "باسم" بقية حياته متنقلا بين الثغور ، لا يُعرف له مكان ولا إقامة ، يمر مرَّ السَّحاب في كل مدينة فيقتل في كل يوم ما شاء الله من جنود الإحتلال ، إلى أن تمَّت الإطاحة به من أحد الخونة الذين باعوا أنفسهم لجنود الإحتلال حيث أرشدهم إلى المسجد الذي سوف يصلي به "باسم" صلاة الفجر ، وبالفعل تربَّص له الجنود وبمجرد خروجه من المسجد حدث تبادل لإطلاق النَّار على المصلين وأخذ "باسم" يدافع عن المصلين وعن نفسه بكل ما آتاه الله من قوة ، قتل من الجنود ما قتل إلى أن أتته رصاصة في قلبه ليسقط المجاهد البطل شهيداً أمام باحة المسجد وقتَ طلوع الشَّمس .
وقت طلوع الشَّمس من ذلك اليوم انطلقت روح الشَّهيد لتلاقي روح "ندى" في السماء ، هذا الوقت الذي كان موعد لقاء الأحبة في الدنيا ، هو نفسه موعد التقائهم في الآخرة ، رحمك الله يا "باسم" رحمك الله يا شهيد الوطن وجَعلَ مثواك الجنَّة ، رَحِمَكِ الله يا "ندى" يا ملاكاً يُرَفرِفُ على جراح المصابين ، رحِمك الله يا شهيدة البلدة الحزينة ..
منقول